محمد حسين علي الصغير
106
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
الأشياء ، والأزلي في كل تقلبات الأحوال نشاهد توالي التعبير المجازي في مثل هذه المظاهر ، وهي معبرة عن الخلود حينا ، وعن التنزيه حينا آخر ، ووصفه بما عبّر عنه حقيقة لكان تجسيما ، ولو أريد به ظاهره لكان تشبيها ، ولو ترك وحاله لتعاورته الزمانية والمكانية وهكذا ، وسيمر في فصل المجاز العقلي وفصل المجاز اللغوي ، وما يشير إلى هذا الموضوع من وجوه أخرى ، ونشير إليه هنا بما يدفع هذه الشبهات ويصفي حسابها ، ففي كل من قوله تعالى : 1 - وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ 27 « 1 » . ب - كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 2 » . ج - وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ « 3 » . د - تَجْرِي بِأَعْيُنِنا « 4 » . ه - ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ « 5 » . و - وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا 22 « 6 » . في هذه الآيات إطراء بالخلود تارة ، وإشارة بالقوى والقدرة تارة أخرى ، وإشعار بالعناية سواهما ، وتشبث في الحركة والنقلة لمن حمل الأمر على ظاهره . ولكن الموضوع ينقلب إلى تنزيه عن الصفات التي يتمتع بها الناس ، والابتعاد عن المتعارف من الجوارح والأحداث وذلك على طريقة العرب في الاستعمال وسنن الكلام . ففي الآيتين ( أ ، ب ) أطلق الوجه باعتباره أشرف الأعضاء لمن يتصف بها وهي قابلة له ، وأريد به هنا الذات القدسية دون إرادة التجسيم أو التركيب أو الكيفية أو المواصفات في الوجه وأجزائه ، وهذا ما يفسره لنا
--> ( 1 ) الرحمن : 27 . ( 2 ) القصص : 88 . ( 3 ) المائدة : 64 . ( 4 ) القمر : 14 . ( 5 ) البقرة : 29 . ( 6 ) الفجر : 22 .